محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
216
الآداب الشرعية والمنح المرعية
أحواله فإنه تارة يصعق وتارة لا فهذا لا يحرم عليه ولا يكره . كذا قال : ويتوجه كراهته بخلاف النوم فإنه وإن غطى على العقل فإنه لا يورث اضطرابا تفسد به الأحوال بل يغطي عقل النائم ثم يحصل معه الراحة . قال : وإذا استولى على العبد معرفة الرب وسمع تلاوة القرآن لم يسمع التلاوة إلا من المتكلم بها فصعق السامع خضوعا للمسموع عنه - إلى أن قال - : فهو الصعق الممدوح يعطل حكم الظاهر ، ويوفر درك الناظر ، لو رأيتموهم لقلتم مجانين ، والناظر من خارج أحوالهم ، خلي مما يلوح لهم ، والأصل في تفاوت هذا صفاء المدارك ، واختلاف المسالك ، فالقلوب تسمع الأصوات وترجيع الألحان فيحركهم طرب الطباع وما عندهم ذوق من الوجد في السماع ، والخواص يدركون بصفاء مداركهم أرواح الألفاظ وهي المعاني ، ومن غلب عليه الإيهام البراني يتعجب مما يسمع من القوم وقد قال الواجد : لو يسمعون كما سمعت كلامها * خروا لعزة ركعا وسجودا وقال بعض المشايخ : الناظر إلى القوم من خارج حالهم يتعجب دهشا ، والملاحظ يذوق المناسبة يتلظى عطشا ، كما قال القوال : صغير هواك عذبني * فكيف به إذا احتنكا ؟ ومراد ابن عقيل رحمه الله عدم الإنكار على صاحب هذه الحال كما يراه بعض الناس أي الصادق منهم ومدح حاله لا هذه الحال هي الغاية . وقد روى النسائي " 1 " - أو غيره - أن أبا هريرة لما حدث بحديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار زفر زفرة وخر مغشيا عليه ثم ثانية ثم ثالثة ثم حدث به . والحديث في صحيح مسلم وغيره بدون هذه الزيادة فإن صح فهو أول من علمت حدث له ذلك والله أعلم . وقال ابن عقيل أيضا في الفنون : لما رأينا الشريعة تنهي عن تحريكات الطباع بالرعونات ، وكسرت الطبول والمعازف ، ونهت عن الندب والنياحة والمدح وجر الخيلاء ، فعلمنا أن الشرع يريد الوقار دون الخلاعة ، فما بال التغيير والوجد ، وتخريق الثياب والصعق ، والتماوت من هؤلاء المتصوفة ؟ وكل مهيج من هؤلاء الوعاظ المنشدين من غزل الأشعار وذكر العشاق فهم كالمغني والنائح فيجب تعزيزهم لأنهم يهيجون الطباع والعقل سلطان هذه الطباع فإذا هيجها صار إهاجة الرعايا على السلطان أما سمعت " يا أنجشة رويدك سوقا بالقوارير " " 2 "
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 1905 ) والترمذي ( 2382 ) وقال : حسن غريب - والنسائي ( 6 / 23 ) ، والزيادة المذكورة عند الترمذي وحده ، وسنده ضعيف ، فيه الوليد بن أبي الوليد لين الحديث . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 6211 ) ومسلم ( 2323 ) من حديث أنس .